أبي هلال العسكري
345
الصناعتين ، الكتابة والشعر
الفصل السّادس في صحة التفسير التفسير وهو أن يورد معاني فيحتاج إلى شرح أحوالها ، فإذا شرحت تأتى في الشرح بتلك المعاني من غير عدول عنها أو زيادة تزاد فيها ، كقول اللّه تعالى : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ، فجعل السكون لليل ، وابتغاء الفضل للنهار ؛ فهو في غاية الحسن ، ونهاية التمام . ومن النثر ما كتب بعضهم : إن للّه عز وجل نعما لو تعاون خلقه على شكر واحدة منها لأفنوا أعمارهم قبل قضاء الحقّ فيها ، ولي ذنوب لو فرّقت بين خلقه جميعا لكان كلّ واحد منهم عظيم الثقل منها ؛ ولكنه يستر بكرمه ، ويعود بفضله ، ويؤخر العقوبة انتظارا للمراجعة من عبده ، ولا يخلى المطيع والعاصي من إحسانه وبرّه . فذكر جملتين ؛ وهما نعم اللّه تعالى وذنوب عبده ، ثم فسّر كلّ واحدة منهما مرتين تفسيرا صحيحا . قوله : « يستر بكرمه » راجع إلى الذنوب ، وقوله : « يعود بفضله » راجع إلى النعم ، فاستوفى . ثم قال : « ويؤخر العقوبة » فهذا أيضا راجع إلى الذنوب ، وقوله : « ولا يخلى المطيع والعاصي من إحسانه وبره » راجع إلى النّعم ، فهو تفسير صحيح في تفسير صحيح . ومن ذلك قول بعض أهل الزمان وقد كتب إليه بعض الأشراف كتابا وسأله أن يصلح ما يجد فيه من سقم ؛ فكتب إليه : فأمّا ما رسمه من سدّ ثلمه ، وجبر كسره ، ولم شعثه ؛ فأىّ ثلم يوجد في أديم السماء ؛ وأىّ كسر يلفى في حاجب ذكاء ؛ وأىّ شعث يرى في الزّهرة الزهراء ! ففسر الثلاثة ، ولم يغادر منها واحدا . ومثاله من المنظوم قول الفرزدق « 1 » :
--> ( 1 ) نقد الشعر : 81 ، نهاية الأرب : 7 - 129 .